15/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
تأبين
المرحوم /عباس محمد إبراهيم آدم
(في الأربعين من الرحيل المر)
قال الله تعالى: {ولَنبلونكم بشيءٍ مِنَ الخوفِ والجوعِ، ونقصٍ مِنَ الأَموالِ والأَنفسِ والثمراتِ، وبشّرِ الصابرينَ. الذينَ إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا: إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعونَ}. صدق الله العظيم.
وقال جل من قائل: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}. صدق الله العظيم.
فقد نفذ ملك الموت كل مفردات التوكيل .
،،،،،،،،
إلى والدته الصابرة..
إلى زوجتة المكلومة وبنته وولده الأيتام..
إلى إخوته وأخواته..
إلى أسرة زوجته..
إلى الأسرة المفجوعة..
إلى أسرة شركته..
إلى زملائه..
إلى جيرانه...
إلى كل عارفي فضله ومحبيه...
،،،،،،،،
أربعون يوماً ما زال الجرح ينزف بفقد المرحوم عباس..
ما زالت الدموع حرّى بعد رحيله العجول عن دنيانا الفانية التي ترينا كل يوم من أمرنا ذلاً وهواناً..
وهو، بفضل الله ورحمته، في أعلى الجنان في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
الجميع يودعه إلى مثواه الأخير.. مقابر بورتسودان مساء ذاك اليوم الحزين ..
حيث كان التشييع المهيب والجمع المشهود.. فالعزاء للجميع دونما استثناء.. وكان الكل بين مكبِّر ومهلِّل..
كان الحضور الكبير دلالة على القبول الرباني.. وشهدت الجنازة على صلاحه وهو يلاقي ربه..
أربعون يوماً في بورتسودان من رحيل المرحوم عباس، في بلدة وهو محمول على عنقريب مفروش بملاية وبرش سوداني..
السودان الذى كأنما ألهم أن يحضر إليه من ويرقد فيه رقدته الأخيرة بدلاً من موت الغربة..
وأن يكون حنوطه ريحة فلور دمور السوداني...
وأن يكون كفنه من الدبلان السوداني..
وأن يرقد جسده الطاهر في تراب بلاده وليس مقابر بلبيس وهو على تابوت يحمله قلة من الأهل والمعارف.
،،،،،،،،
أربعون يوماً من رحيل عباس زينة الشباب.. برحيله رحلت الإلفة والصدق والتحنان وكثير من المروءات.
ذهب وفي القلب حسرة، وفي النفس أسىً وذكريات لا تمحوها الأيام ولا تطويها الليالي.
كان لنا ولغيرنا قمراً في عتمة الليالي.. وكان في حياتنا شامة.
ذكراه لن تغيب عنا كما وردت في قصيدة الشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم "نحن والردى":
يا منايا حوِّمي حول الحمى واستعرضينا واصطفي
كل سمح النفس بسام العشيات الوفي
الحليم العف كالأنسام روحاً وسجايا
أريحي الوجه والكف افتراراً وعطايا
فإذا لاقاك بالباب بشوشاً وحفي
بضمير ككتاب الله طاهر
أنشبي الأظفار في أكتافه واختطفي
وأمان الله منا يا منايا
كلما اشتقت لميمون المحيا ذي البشائر .. شرِّفي
تجدينا مثلاً في الناس سائر
نقهر الموت حياة ومصائر
أربعون يوماً من رحيل عباس على والدته أختي بت خالي وعمتي رقية بشير عبد الله.. المرأة الصابرة المحتسبة التقية، أطال الله عمرها...
عاشت يتيمة فقدت والدها وهي طفلة.. تربت في كنف والدتها، وتزوجت من بيت والدتها عمتنا بتول، ورحل عنها زوجها وهو في ريعان شبابه وترك لها أطفالاً صغاراً آخرهم لم يولد بعد.
توكلت على الله.. فربت أبناءها أحسن تربية.. وعلمتهم وصبرت وكافحت واحتسبت.. ولقد وفق المولى عز وجل أبناءها فأصبحوا رجالاً أفذاذاً و من أميز أبناء الأسرة ببركة والدهم الحافظ العابد.. وبفضل تربية أمهم وحدبها عليهم وعكوفها على تأدبيهم ورعايتهم.
امتحنها الله برحيل فلذة كبدها وأصغر أبنائها وهو في ريعان شبابه وقمة عطائه وإقباله على العمل وتعمير الحياة.. فصبرت "أفضل ما يكون واحتسبت خير ما يكون الاحتساب.. فلها عند الله الفردوس الأعلى إن شاء الله.
،،،،،،،،
رحيل عباس كان شيئاً، صدِّقني، متجاوزاً كبرياء الرجال وحياء النساء.
وبراءة الأطفال وعنفوان الشباب ووقار الشيوخ.
البكاء كان متجاوزاً.. بكى الرجال بحرقة ة النساء.
والنساء بكين بكبرياء الرجال
والشيوخ بكوا ببراءة الصغار
وبكى الأطفال بوقار الشيوخ
كل شيئ، صدِّقني، كان متجاوزاً.. كيف لا وكل هؤلاء كانوا حضوراً بالنوااااح
،،،،،،،،
إن دار الحاجة رقية العامرة بها في الفتيحاب هي حصن أبنائها الحصين، وملجأهم الأمين.. ويوم الجمعه كان هذا البيت العامر بها وأبنائها وأهلها وجيرانها وكنا نزورها كثيراً.. فنجد فى بيتها أصالة وكرماً وحباً، فقد تربت على ذلك منذ نعومة أظافرها وهي سليل تلك الأسرة الطاهرة، فهي خيار من خيار..
المرحوم عباس عاش يتيماً.. فقد رحل والده وهو طفل لم يتجاوز عمره الأربع سنوات، فنشا وترعرع في كنف والدته وتدرج سريعاً من مسيرته التعليمة بتوفيق من الله تعالى، وعمل في أعرق الشركات القطاع الخاص بجدراته وتعليمه، وتدرج سريعا وأصبح من أحد أركان الشركة.. ثم وفقه الله للزواج من أسرة فاضلة طيبة.. وها هو يكمل دائرة حياته ويترك أطفاله كما تركه والده قبل أربعة عقود..
فالمتأمل لسيرته ومسيرته تجده كان عجولاً إلى لقاء ربه، وكنا نعده ليكون من قيادتنا الشباب للأسرة، ولكن اختيار المولى له ليرتقي إلى أعلى الجنان.. وما عند الله خير وأبقى.
،،،،،،،،
رحيل عباس ونحن مع شقيقه الأكبر المقدم عاصم في سرداق العزاء في نزوحنا ببورتسودان..
لا يسعنى إلا أن نشكر كل الزملاء العاملين بخط الأنابيب من رئاسة الشركة ومحطة بورتسودان..
كل العاملين بوزارة النفط..
كل زملاء المقدم عاصم ضباط الشرطة بمقاماتهم المختلفة.. وإلى رئاسة الشرطة ورئاسة شرطة المرور..
رئيس مجلس إدارة شركة ديزل جنريتر وأسرة الشركة ببورسودان..
والمصلين بمسجد ترانسيت والجيران..
كل من وقف معنا وخفف عنا المصاب.. ونسأل الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء.
،،،،،،،،
قد أكرم الله للمرحوم عباس بصفات جميلة وخصال نادرة.. رزانة في الطبع، وتواضعاً في السجية وخفة في الدم..
مُوطّأ الأكناف، مُمهّد السبيل، يألف ويؤلف
خفيض الجناح، خفيف الظل، له إمتاع ومؤانسة، وصدق ووفاء.. عاش محباً للناس فبادله الناس محبة ومودة.
رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وجعل الفردوس الأعلى مستقره ومقامه.. وجعل البركة في ذريته وأهله.. وأثابهم على صبرهم ما وعد به الصابرين من عباده أجراً بغير حساب.