14/06/2026
في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” لم يكن عبد الوهاب في بدايته طفلًا مشاغبًا أو قليل الأدب.
بل كان طفلًا ذكيًا، مؤدبًا، وهادئًا.
كان يمكن أن يكبر بصورة مختلفة… لو تُرك يدخل المدرسة باسمه فقط.
لكن المدرسة لم تتعامل معه كطفل مستقل.
بل تعاملت معه كامتداد اجتماعي لأبيه.
ابن عبد الغفور البرعي.
ابن الرجل الذي بدأ من حيث انتهي نظر الناس؛ من الخردة، من الصدأ، من الأشياء التي فقدت قيمتها في عيونهم… لكنه وحده رأى فيها معدنًا لم يمت، فصنع من كل ذلك مكانه لا يمكن تجاهلها ..
وهنا تبدأ الحكاية التي لا تُقال بصوت عالٍ.
أحيانًا لا يترك الكبار الطفل يدخل المكان خفيفًا.
بل يُحمّلونه تبعة اسم لم يختره.
ومال لم يصنعه.
ومهنة لا ذنب له فيها.
وصورة أبيه في عيون الناس.
والمدرسة ليست مجرد مبنى وجدران وحصص.
بل هي واحدة من أولى المؤسسات التي يدخلها الطفل، وفيها يتعلم كيف يراه العالم، وكيف يرى نفسه.
والطفل في هذا السن كالطين قبل أن يجف.
لمسة صغيرة تترك علامة.
وضغطة عابرة تصنع ميلًا.
وكلمة من صاحب سلطة قد تتحول في وعيه إلى حكمٍ طويل الأثر.
ثم تمر الأيام، ويجف الطين على ما تركته الأيدي.
فيظن الناس أن هذا طبعه، وأن هذه صورته الحقيقية.
ولا يعرفون أن بعض ملامحه لم تكن منه…
بل كانت أثر أصابع الكبار حين كان لا يزال طينًا.
داخل المدرسة، لم يكن التلميح حول عبد الغفور مجرد كلام عن أب غني.
مرة يُشار إلى ماله.
ومرة إلى تجارته.
ومرة إلى أنه يجب أن يتبرع.
والمشكلة أن التلميح حين يخرج من الكبير لا يبقى عند الكبير فقط.
بل يتحول داخل الفصل إلى تصريح اجتماعي غير معلن.
حين يلمّح المدرس، يتعلم الطالب أن يلمّح.
وحين يغمز المدير، يشعر الصغار أن الأمر مباح.
وحين يُذكر الطفل دائمًا من خلال أبيه، ينسى الآخرون أن له اسمًا وذاتًا وحدودًا.
فالطفل لا يصنع ثقافة الفصل وحده.
ثقافة الفصل تبدأ من عين المدرس.
ومن نبرة المدير.
ومن الطريقة التي يُذكر بها الولد وأهله أمام بقية الأولاد.
وهذا ليس بعيدًا عن واقعنا.
في القرى والمناطق الصغيرة، الطفل لا يدخل المدرسة باسمه فقط.
يدخل بنسبه.
ابن فلان.
حفيد فلان.
قريب فلان.
ابن الغني.
ابن العامل.
ابن صاحب النفوذ.
وابن رجلٍ بين أهله وأهل المعلم حكاية قديمة.
وهنا تظهر خطورة أن يعمل المعلم داخل نفس دائرته الاجتماعية الضيقة.
ليس لأن المعلم سيئ بالضرورة.
لكن لأن المعلم إنسان.
يدخل الفصل ومعه ذاكرته:
عائلته، ومعارفه، ومجاملاته، وخصوماته، وحكايات سمعها منذ سنوات.
ثم يجلس أمامه أطفال لا ذنب لهم في كل هذا.
نعم، هناك معلمون أصحاب ضمير حقيقي، يفصلون بين الطفل وأهله، وبين الدرس والخصومة، وبين العلم والمجاملة.
لكن السؤال الصعب:
هل كل الناس تستطيع ذلك؟
بعض المعلمين قد لا يقصد الظلم أصلًا.
لكنه يبتسم أكثر لابن من يعرفه.
ويتسامح أكثر مع ابن عائلته.
ويقسو أكثر على ابن خصمه.
ويلمح أكثر لابن الغني.
ويتجاهل أكثر ابن الضعيف.
ثم لا يسمي أحد هذا ظلمًا.
يسمونه معرفة بالناس.
أو طبيعة بلد.
أو مزاحًا عابرًا.
أو كلمة لا تستحق.
لكن الطفل لا يعرف كل هذه التبريرات.
هو يشعر فقط أن هناك عينًا سبقته إلى مقعده، وأن الكلام لم يكن يخرج من الفم وحده… بل من شيءٍ مدفون في صدور الكبار.
وعندما نعود إلى عبد الوهاب، نفهم أن ألمه لم يكن من أبيه وحده.
ربما كان من الطريقة التي كان الناس يذكرون بها أباه.
عبد الغفور لم يكن حاضرًا في المدرسة بجسده كل يوم.
لكنه كان حاضرًا في كل تلميح.
في كل نظرة.
في كل كلمة عن المال.
وفي كل مرة لم يروا فيها عبد الوهاب كطفل، بل كامتداد لرجل لم يعرفوا كيف يتعاملون مع صعوده.
ولهذا لم تكن القضية أن عبد الوهاب خجل من أبيه فقط.
القضية أن الناس لم يمنحوه حقه الأول:
أن يُرى كإنسان مستقل، لا كملف عائلي مفتوح.
أدخلوه المدرسة بابن فلان…
وأخرجوه منها وهو يحاول طوال عمره أن يثبت أنه ليس مجرد ابن أحد.
وهذه ليست حكاية مسلسل فقط.
هذه حكاية كل طفل دخل الحياة باسمه الصغير…
فوجد الكبار يكتبون فوق اسمه اسمًا أكبر منه.
Lawyer & Law Firm