15/09/2026
لماذا غاب النقد المعماري عن العمارة المصرية؟
يرى المعماري نبيل الهادي أن غياب النقد المعماري الجاد في مصر أسهم في كثير من مشكلات العمارة والعمران. ففي الخارج، يخشى المعماريون النقد لأن أعمالهم تخضع للنقاش والمساءلة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشروعات ذات طابع عام. أما لدينا، فالمشكلة لا تقتصر على غياب النقد، بل تمتد إلى تضييق مساحة النقاش نفسه، نتيجة الرقابة الذاتية واستبعاد بعض الأفكار، وهو ما يخسر المجتمع بسببه كثيرًا.
ويؤكد الهادي أن حرية التفكير واستقلال المؤسسات العلمية جزء أساسي من أي نقاش معماري حقيقي، مستشهدًا بفكرة أن «الجامعة دينها هو العلم». فالمشكلة ليست انتظار الأجيال القادمة لحل الأزمات، لأن حجم التحديات الحالية لا يسمح بمزيد من التأجيل.
ويربط الهادي أيضًا أزمة الأرشيف المعماري والعمراني بتجاهل علاقة المبنى بالطبيعة وبالناس الذين يعيشون فيه. كما يرى أن السؤال عن «جودة العمارة» يحتاج إلى مراجعة؛ فاختزال العمارة في كون المبنى جميلًا أو قبيحًا، قديمًا أو حديثًا، يتجاهل جوهرها الحقيقي.
فالنقد المعماري، في رأيه، يجب أن يسأل: لماذا اختار المعماري هذا الحل؟ ولماذا استخدم هذا الطراز أو التكوين؟ وما الفكرة التي تقف وراء هذه الاختيارات؟ فالعمارة ليست مجرد شكل، بل أفكار يمكن فهمها والتعلم منها.
ويستعيد الهادي مثالًا من تجربته الأكاديمية، حين قارن أحد طلابه بين مكتبة جامعة القاهرة ومكتبة الجامعة الأمريكية لفهم الاختيارات والدلالات الفكرية في المشروعين. وبعد أن وصل الأمر إلى المعماري الدكتور علي رأفت، مصمم مكتبة جامعة القاهرة، اتصل بالهادي ظنًا أن المشروع يتعرض للهجوم. لكن بعد نقاش طويل، قال له عبارة بقيت في ذاكرته: «دي أول مناقشة نقد معماري حقيقية من خمسين سنة».
ويرى الهادي أن هذه العبارة تختصر المشكلة: نحن نفتقد النقاش المعماري العميق، وما زلنا نتعامل مع العمارة باعتبارها شكلًا خارجيًا، بينما هي في جوهرها أفكار تحتاج إلى نقاش مستمر.
ويختتم بأن النقاش حول العمارة والعمران كان دائمًا مرتبطًا بالسياسة والمجتمع، ولذلك فإن الاستسلام للأحكام السريعة والأشكال الخارجية يختزل قضية أكثر تعقيدًا. ومن غير العدل أن نتعامل مع النقد المعماري باعتباره رفاهية.
— من حوار المعماري نبيل الهادي المنشور هذا الأسبوع في «أخبار الأدب»